الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

55

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

خواصّ نوع من الموجودات العظيمة قوامه بتلك الصفة . والذي يقتضيه غالب الاستعمال أن المتعاطفات بالواو صفات مستقلة لموصوفات مختلفة أنواع أو أصناف ، أو لموصوف واحد له أحوال متعددة ، وأنّ المعطوفات بالفاء صفات متفرعة عن الوصف الذي عطفت عليه بالفاء ، فهي صفات متعددة متفرّع بعضها عن بعض لموصوف واحد فيكون قسما بتلك الأحوال العظيمة باعتبار موصوفاتها . وللسلف من المفسرين أقوال في تعيين موصوفات هذه الأوصاف وفي تفسير معاني الأوصاف . وأحسن الوجوه على الجملة أن كلّ صفة مما عطف بالواو مرادا بها موصوف غير المراد بموصوف الصفة الأخرى ، وأن كل صفة عطفت بالفاء أن تكون حالة أخرى للموصوف المعطوف بالواو كما تقدم . وسنتعمد في ذلك أظهر الوجوه وأنظمها ونذكر ما في ذلك من الاختلاف ليكون الناظر على سعة بصيرة . وهذا الإجمال مقصود لتذهب أفهام السامعين كلّ مذهب ممكن ، فتكثر خطور المعاني في الأذهان ، وتتكرر الموعظة والعبرة باعتبار وقع كل معنى في نفس له فيها أشدّ وقع وذلك من وفرة المعاني مع إيجاز الألفاظ . فالنازعات : وصف مشتق من النزع ومعاني النزع كثيرة كلها ترجع إلى الإخراج والجذب فمنه حقيقة ومنه مجاز . فيحتمل أن يكون النَّازِعاتِ جماعات من الملائكة وهم الموكّلون بقبض الأرواح ، فالنزع هو إخراج الروح من الجسد شبه بنزع الدلو من البئر أو الركية ، ومنهم قولهم في المحتضر هو في النزع . وأجريت صفتهم على صيغة التأنيث بتأويل الجماعة أو الطوائف كقوله تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا [ الحجرات : 14 ] . وروي هذا عن علي وابن مسعود وابن عباس ومجاهد ومسروق وابن جبير والسدّي فأقسم اللّه بالملائكة لأنها من أشرف المخلوقات ، وخصها بهذا الوصف الذي هو من تصرفاتها تذكيرا للمشركين إذ هم في غفلة عن الآخرة وما بعد الموت ، ولأنهم شديد تعلقهم بالحياة كما قال تعالى لمّا ذكر اليهود : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [ البقرة : 96 ] فالمشركين مثل في حب الحياة ففي القسم بملائكة قبض الأرواح عظة لهم وعبرة . والقسم على هذا الوجه مناسب للغرض الأهم من السورة وهو إثبات البعث لأن